الحكومة العراقية والإصلاح السياسي
وفق المعطيات السياسية القائمة في العالم العربي، ثمة مصلحة عربية أكيدة من إصلاح وتطوير العملية السياسية في العراق.. فالعرب وبالذات دول الجوار مع العراق، لهم مصلحة سياسية مباشرة في تصويب وإصلاح العملية السياسية، بما يوفر للعراق قدرة تنفيذية وسياسية للقيام بدوره الإقليمي، بما يساهم في ضبط الأمن والاستقرار السياسي في العراق..
وعليه فإن ما يجري من صراع وتنافس حزبي بين الأطراف السياسية المشاركة في العملية السياسية في العراق، يعد وفق المعطيات الواقعية وضرورات الإصلاح، من الظواهر السياسية الصحية، لإزالة ما يحول دون إصلاح العملية السياسية في العراق..
والعراق هذا البلد العربي العريق، يستحق من كل النواحي، وضعاً سياسياً أكثر قدرة للقيام بالمهام الوطنية العراقية، وأكثر وفاءً بما يتطلع إليه الشعب العراقي..
فاستمرار الأوضاع السياسية والأمنية غير مستقرة في العراق، يضر بالعراق ودوره الإقليمي، كما يضر بالمحيط العربي، إذ يتحول العراق إلى مصدر لكل ما يعكر صفو الأمن الإقليمي.. ووفق هذه الرؤية نرى أن ما قام به السيد مقتدى الصدر من النزول إلى الشارع وفرض معادلة الإصلاح السياسي على العملية السياسية من الأنشطة الحسنة، التي لا تضر بأمن واستقرار العراق، وإنما تؤسس لمرحلة سياسية جديدة من عمر التجربة السياسية المعاصرة.. كما أن قبول أكثر الكتل السياسية بما قام به التيار الصدري من إبراز أولوية التغيير الحكومي، يعد على المستوى السياسي من الخطوات الإيجابية التي تساهم في تقليل عوامل الفشل في الأداء الحكومي للدولة العراقية.. ويبدو أن حاجة العراق إلى حكومة تكنوقراطية غير خاضعة للمحاصصة الطائفية، من الخطوات الجوهرية التي تساهم بشكل مباشر في تعزيز خيار الإصلاح السياسي في العراق.. ونحن كعرب نتطلع إلى استقرار العراق على أسس تسمح لكل العراقيين بكل أطيافهم ومكوناتهم للمشاركة في دعم العملية السياسية وإخراج هذا البلد العربي العريق من كل الموانع التي تعطل دوره الحيوي، وتحول دون عودة العراق إلى محيطه العربي..
وعليه فإن ما يجري في العراق من مماحكات سياسية وجدل سياسي صريح لتصويب العملية السياسية وإنهاء بعض عناصر الخلل في الممارسة السياسية، هو من الظواهر الإيجابية والصحية ودليل على عمق حاجة العراق إلى الإصلاح السياسي.. لأن العراق لن يخرج من أزماته المتلاحقة والجنون الطائفي الذي دمر العراق وفتت النسيج الاجتماعي العراقي إلا بالإصلاح السياسي.. والذي يتجلى هذا الإصلاح السياسي في خطوته الأولية وهي بناء الحكومة على أسس وطنية وذات كفاءات وقدرات، قادرة على دفع الممارسة السياسية إلى الأمام وتحقيق إنجازات ملموسة يتطلع إليها الشعب العراقي..
وفي تقديرنا أن انخراط الكتل السياسية أو أغلبها في العملية السياسية الإصلاحية، سيجنب العراق الكثير من الهزات والمشاكل.. لذلك حسناً فعلت الكتل السياسية التي عبرت عن قبولها بتغيير وزرائها والخضوع لمقتضيات تعيين وزراء من التكنوقراط..
ونعتبر أن هذه الإيجابية التي أبدتها أغلب الكتل السياسية من العناصر الإيجابية التي تؤسس لضمانات حقيقية لنجاح عملية الإصلاح السياسي..
ويبدو أن نجاح الحكومة العراقية في دحر داعش من المحافظات العراقية يرتبط بشكل مباشر بقدرة الحكومة العراقية على النجاح في مشروع الإصلاح السياسي.. فالقدرة على القيام بخطوات حقيقية في نطاق الإصلاح السياسي، هو الذي سيوفر كل الإمكانية للنجاح في مشروع دحر داعش وإخراجها من المحافظات العراقية.. وإن الحكومة العراقية إذا لم تتمكن من القيام بمتطلبات الإصلاح السياسي، فإنها لن تتمكن من تحرير بعض محافظات العراق الواقعة تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية.. والتجربة السياسية في العراق، أثبتت أن بعض الأطراف السياسية تساهم في عرقلة أي خطوة جادة للإسراع في دحر داعش وبقية التنظيمات الإرهابية.. بل تعمل بعض هذه الأطراف على توظيف بعض مكاسب التنظيمات الإرهابية بما يخدم أجندتها السياسية، وإنهاء أي رهان سياسي على التنظيمات الإرهابية..
لهذا فإن أي خطوة سياسية إصلاحية تقوم بها الحكومة العراقية، هي خطوة في الاتجاه الصحيح، لأن الإصلاح السياسي وإنهاء بعض الخلل في العملية السياسية هو بداية تأهيل العراق من بعض أزماته ومشاكله..
ووفق هذه الرؤية السياسية نرى أن السيد رئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي بحاجة إلى حسم بعض الأمور وعدم التردد في إصدار القرارات.. لأن تردد رئيس الوزراء في المرحلة السابقة أضاع على العراق العديد من الفرص التي تساهم في إنهاء بعض المحن التي تغذي حالة التوتر في الوضع السياسي العراقي..
فالعراق كما أنه يحتاج إلى خطة أو رؤية صحيحة للخروج من محنه وعناصر توتره، هو بحاجة إلى رئيس وزراء ذو شخصية قوية وغير مترددة في العديد من الملفات التي تهم العراق في الراهن والمستقبل..
ولا بد أن تدرك جميع الكتل السياسية العراقية، أن تراجع الحكومة العراقية عن خطواتها الإصلاحية، سيساهم في خلق فجوة عميقة تفصل الشعب العراقي عن الوضع السياسي العراقي.. ومن مصلحة جميع الأطراف العراقية أن يستمر دعم الشعب العراقي للعملية السياسية.. لأن ابتعاد الشعب العراقي عن الحكومة العراقية سيساهم في عودة كل التنظيمات الإرهابية والعنفية..
وقوة الوضع السياسي العراقي في استمرار دعم قوى الشعب العراقي للحكومة العراقية.. وعدم توقف عملية الإصلاح السياسي وتطهير الحكومة العراقية من الفاسدين، هو الذي يبقي الشعب العراقي في صف الحكومة العراقية، وأي تراجع عن خيار الإصلاح سينعكس سلباً على مستوى قناعة الشعب العراقي بالحكومة العراقية.. وهذا بطبيعة الحال سيعيد كل الأمور إلى المربع الأول، مما يجعل كل الوضع السياسي العراقي مكشوفاً على المستويين الأمني والسياسي..
وهذا يعني دخول العراق في دائرة الخطر الحقيقي.. لذلك فإن الإصلاح السياسي في العراق هو حاجة ماسة للحكومة وضرورة قصوى للشعب العراقي..













