آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 11:49 م

الدولة السعودية والتوحيد الوطني

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

بالمعايير الوحدوية يعد حدث تأسيس المملكة العربية السعودية، من الأحداث الكبرى، التي ساهمت في تأسيس بلد عربي استطاع أن يوحد مناطق من الجزيرة العربية في إطار سياسي وجغرافي واحد موحد.. لذلك نتمكن من القول إن تأسيس المملكة من الأحداث الوحدوية الكبرى التي شهدها العالم العربي..

وقد تمكن هذا المنجز الوحدوي من أن يجمع قبائل ومجتمعات محلية عديدة وخصوصيات ثقافية واجتماعية متنوعة في سياق وطني موحد..

ومما يؤخذ على بعض المؤرخين الذين أرخوا لحقبة التأسيس أن أغلبهم لم يلتفت إلى هذا المنجز الوحدوي الكبير.. صحيح أن أطراف ومكونات هذا المنجز الوحدوي الكبير لا يمتلكون ذاكرة تاريخية واحدة، ولكن أصبح الجميع في بلد متحد.

من هنا حينما نتحدث عن لحظة تأسيس المملكة العربية السعودية، نتمكن من القول إن اللحظة التأسيسية من أهم اللحظات الوحدوية التي تبلورت في العالم العربي. والملك المؤسس طيب الله ثراه، تمكن بحكمته السياسية ودرايته الواسعة من تأسيس بلد مترامي الأطراف في سياق وطني واحد.. لهذا يعد الملك المؤسس من كبار الوحدويين العرب..

ونظرة واحدة إلى الواقع الاجتماعي والسوسيولوجي لمناطق المملكة، نرى أنها مناطق في الغالب ذات خصوصيات ثقافية واجتماعية متنوعة عن بقية المناطق.. ويعتبر هذا التنوع الاجتماعي والسوسيولوجي من ثروات القوة السعودية الناعمة.. لأن التعامل الحضاري مع هذا التنوع، سيبلور عناصر القوة في هذا الاجتماع الوطني المتنوع والمتعدد والقادر على الانفتاح والتواصل مع كل التنوعات والتعدديات الموجودة في العالم العربي الحديث..

من هنا فإن لحظة التأسيس التاريخية للمملكة العربية السعودية تثبت بطريقة لا لَبْس فيها، أن هذه اللحظة أبرزت البعد الوحدوي العميق في تأسيس هذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه.. وأن هذا المنجز الوحدوي يتطلب باستمرار الإضافة عليه وإدامة هذا البعد، لأنه من الأبعاد التي تضيف الشيء الكثير لسكان ومجتمع المملكة العربية السعودية..

كما أن اللحظة التأسيسية أبرزت عمق التنوع الاجتماعي الوفير الذي تعيشه مجتمعات المناطق في المملكة..

وهذا يجعلنا نؤكد هذه الحقيقة: أن الوحدة لا تضر بالتنوع، وإذا أحسن التعامل مع هذه الحقائق وتم التحالف إذا جاز التعبير بين الوحدة والتنوع فإن هذا التحالف سيقود إلى منجزات مشهودة على كل المستويات.. لأن الوحدة لا تساوي تصحير الواقع الاجتماعي، وإنما على العكس من ذلك تماماً؛ لأن الوحدة لا تبنى بشكل عميق إلا بتنوع وحماية هذا التنوع في الواقع الاجتماعي..

لهذا نجد أن الملك المؤسس طيب الله ثراه، لم يحارب الواقع الاجتماعي المتنوع، وإنما حماه بما لا يضر بالوحدة الوطنية الجديدة..

وعمل عبر وسائط عديدة إلى حماية كل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية الموجودة.. وعليه فإن المشروع الوحدوي الذي تشكل في لحظة التأسيس وبناء الدولة الحديثة، لم يكن طارداً للتنوعات الاجتماعية، وإنما تعامل معها بحكمة حتى لا تفضي إلى نتائج تضر بقيمة الوحدة الوطنية..

من هنا وفي ذكرى اليوم الوطني للمملكة، نحن بحاجة إلى أن نلتفت إلى هاتين الحقيقتين.. حقيقة الوحدة.. حيث إن المملكة تشكلت من مناطق ومجتمعات محلية عديدة.. لهذا نحن معنيون بضرورة الالتفات إلى قيمة الوحدة..

والحقيقة الأخرى هي قيمة التنوع الموجودة في المجتمع السعودي.. فالوحدة لم تكن استئصالاً للتنوع الموجود في المجتمع..

ويبدو لنا أن قوة المملكة التاريخية والمعاصرة، نابعة من هاتين الحقيقتين.. ففي المجتمعات المتنوعة لا وحدة عميقة فيها إلا باحترام تنوعها..

وإن هذا المنجز التاريخي بحاجة إلى الالتفات إليه في كل الأزمنة والعصور.. لكي يعمل الجميع لحماية التنوع الموجود في المجتمع السعودي والإصرار والتمسك التام بوحدته القائمة على احترام التنوع.. فالوحدة الوطنية هي سقف التنوع الاجتماعي والثقافي.. والتنوع هو الذي يرفد حقائق الوحدة الوطنية بحقائق جديدة تثري الاجتماع الوطني الحديث.. وعليه فإن التجربة الوطنية الحديثة قائمة على هاتين المسألتين.. ويبدو أن قوة الوطن نابعة ومستمدة من قيمة الوحدة التي تتسع لجميع المكونات والتعبيرات الموجودة في المجتمع السعودي..

فالمجتمع السعودي بكل تنوعه وأطيافه، هو مع الوحدة الوطنية ويتعامل معها بوصفها منجزاً تاريخياً، لا يمكن التخلي عنه أو التبري منه.. وهذا منجز وطني بأفق تاريخي، لا يمكن التغافل عنه مهما كانت الأسباب والظروف.. فوحدتنا الوطنية هي من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها أو التعدي عليها.. ستبقى هذه الوحدة قائمة وشاخصة، لأنها مستندة على حقائق المجتمع السعودي المتعدد والمتنوع والمنفتح في غالبه على منجزات العصر والحضارة الحديثة.

وجماع القول: إنه في ذكرى اليوم الوطني نجدد التزامنا بوحدة هذا الوطن وحمايته من كل المخاطر والتحديات.. وندعو أبناء الوطن إلى ضرورة صيانة الجماعة الوطنية الواحدة، عبر احترام كل الخصوصيات والحيثيات لأبناء المجتمع.. فعزة الوطن بعزة المواطنين جميعاً.. لهذا فإن تعزيز وحماية عزة المواطنين، هما السبيل لإنجاز مفهوم الحماية للوطن والمواطنين..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».