آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 6:56 م

وجع الرحيل

محمد المحفوظ *

دائما فقد ورحيل الكبار علما ومقاما ودورا يفجع ويوجع، لأنه يترك فراغا هائلا على المستويات النفسية والاجتماعية والعلمية، وهذا الفراغ يحتاج إلى صبر ومصابرة ووعي عميق بطبيعة الدنيا الفانية لاستيعابه، والخروج من متوالياته السلبية.

ورحيل العالم الرباني العلامة الدكتور عبد الهادي الفضلي رحمه الله تعالى لا يخرج عن هذا السياق. فهو ومنذ مدة زمنية يعاني المرض بصبر حتى تعودنا جميعا على مرضه، ولكن مع كل هذا فإن فقده ورحيله يفجعنا جميعا. لأن عطاءه ودوره ووظيفته الدينية والثقافية والتربوية،، سنفتقده برحليه، وهذا مما يوجعنا ويجعلنا جميعا نشعر بالفراغ بفقده في لحظة زمنية عصيبة تعيشها أمتنا على أكثر من صعيد..

وذكرياتي مع الراحل الكبير عديدة ومتنوعة واحتاج إلى تجاوز صعوبة الفقد والرحيل، حتى أتمكن من تدوينها.. ولكن وفي هذه المناسبة الأليمة أود ذكر النقاط التالية:

1 - إن الراحل الكبير لم يكن يتصنع التواضع، بل هو سجيته الأساسية واللازمة لشخصه، لذلك تراه يعيش التواضع بكل جوانحه ومع الجميع بدون استثناء.. ولعمري إن هذه الخصلة من أهم الخصال لأي عالم ينشد توسيع دائرة علمه ويقوم بدوره الرسالي في مجتمعه وأمته.. وتتناسل من قيمة التواضع الملاصقة والملازمة لشخصية الراحل الكبير، قيمة حسن الإنصات للطرف الآخر، ومناقشة أفكاره وحججه بهدوء وموضوعية وبدون عصبية تقتل الأفكار في مهدها.. ودائم التشجيع للجيل الطالع، فهو لم يبخل على أحد بكلمة تشجيعية أو دعوة مباشرة لتحفيزه وتفعيل دوره، لذلك تحلق حوله الكثير من الشباب المتطلع صوب العلم والمعرفة والعمل العام، لاستلهام أفكاره والنهل من خبراته الواسعة في الحياة..

وأحسب إن أحد العوامل العميقة التي ساهمت في انجذاب الكثير إليه على هذا الصعيد هو أبويته وجامعيته واحتضانه للجميع بدون تمييز أو محاباة لأحد على حساب أحد آخر.. لذلك فإن الجميع يشعر أن لديه علاقة خاصة وشخصية مع الراحل الكبير.. فالتواضع والتشجيع الدائم وحسن الإنصات إلى رأي الشاب وفكره وإشكالاته ومشاغباته، كلها عناصر ساهمت في تعزيز موقع ودور الشيخ العلمي والتربوي في مسيرة مجتمعنا وأمتنا..

2 - تعلمنا تجربة الراحل الكبير العلمية والتربوية، أن الالتزام الفكري شيء والتعصب شيء آخر.. فالالتزام لا يساوي التعصب الأعمى للذات وأفكارها، وإنما يساوي الالتزام بقناعة فكرية وفق أدلة معتبرة لدى الذات.. والتعصب هو نزوع فكري وسلوكي لتعميم قناعات الذات على الآخرين بوسائل قسرية - قمعية..

وانطلاقا من هذا التمييز بين الالتزام والتعصب، نقرأ تجربة الراحل الكبير، فلم يدفعه التزامه الفكري صوب الانحباس على فئة اجتماعية دون أخرى، بل مارس دوره العام بدون تمييز بين شرائح وأطياف المجتمع.. فكان والد الجميع بدون تعصب أو انغلاق.. وهكذا ينبغي أن يكون عالم الدين في كل بيئاتنا الاجتماعية.. فهو ليس عالما لفئة دون أخرى، أو لطيف دون آخر، بل هو عالم للجميع ويمارس دوره ورعايته للجميع، فالعلامة الفضلي كان أنموذجا لكل علماء الدين على هذا الصعيد، انفتح مع الجميع، وتواصل مع الجميع، وتعاون مع الجميع، دون أن يتخلى عن قناعاته الفكرية..

وبرحيل العلامة الفضلي، تتأكد الحاجة إلى إحياء منهجه الذي يعلي شأن الوحدة، ويفتح المجال للتعاون بكل صوره، ويهرب من المعارك الجزئية والتافهة، ويعمل بجد صوب صياغة أفكار إسلامية قادرة على مواكبة العصر ومستجداته، والاستجابة الواعية لتحديات الراهن المعرفية والحضارية..

رحمك الله يا شيخنا الكبير، وألهم ذويك الصبر والسلوان وحشرك الله مع الصديقين والشهداء «إنا لله وإنا إليه راجعون»..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».