في مصر.. التسوية هي الحل
كل الأخبار والأحداث السياسية والشعبية في مصر في الآونة الأخيرة، تنذر بإمكانية أن ينزلق الوضع فيها صوب العنف والعنف المضاد.. لأننا ببساطة شديدة، نرى أن جميع الأطراف والمكونات الفاعلة في المشهد المصري لا تريد الحوار الحقيقي وتدوير الزوايا، وإنما كل طرف متشبث برأيه وموقفه، ويرى أنه ما هو عليه هو الذي يناسب مصر راهنا ومستقبلا..
وكلنا يعلم أن الانزلاق صوب العنف العبثي، لا يبدأ دفعة واحدة، وإنما هو انزلاق تدريجي ومناخات اجتماعية وسياسية وأمنية، تدفع إلى ذلك بفعل نظام المراكمة.. مما يفضي في المحصلة النهائية إلى وقوع الجميع في أتون العنف والعنف المضاد.. وحينما تسفك الدماء، وتبدأ دوامة العنف بالعمل، ستتراجع كل معطيات السلام لصالح مؤشرات لا يفل الحديد إلا الحديد، وأن ممارسة العنف هو حقنا الطبيعي.. حينذاك سيمارس الجميع العنف بدون ضغوطات نفسية واجتماعية شديدة.
وكل طرف سيتهم الطرف الآخر في من أشعل جذوة العنف، ومن هو الذي بدأها.. وكل هذا النقاش والمماحكات هو لتبرير العنف واستخدامه والوقوع في براثنه.. وستبقى مصر شعبا وحاضرا ومستقبلا هي الخاسر الأكبر.. لأن دوامة العنف ستحصد من شباب مصر الكثير، ولأن المنطق وضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار الاجتماعي سيتراجع لصالح منطق آخر، يبرر ويسوغ ممارسة العنف.. ولعل الفرق الأساسي سيكون بين المصريين، هو حول الجهة التي ستتحمل مسؤولية ما يجري.. ووفق الانقسام السياسي والاجتماعي، ستتوزع المسؤولية، وكل طرف يمتلك الكثير من الأدلة والمعطيات التي تبرر له موقفه واتهامه للطرف الآخر.. وكلنا يعلم أن دورات العنف الشعبي، لا يمكن التنبأ بمآلاتها، لذلك فإننا نرى أهمية الصوت والطريق الثالث في المشهد المصري.. فما تحتاجه الساحة المصرية اليوم، ليس تثبيت الاصطفافات الشعبية والسياسية من جراء تطورات عزل الرئيس محمد مرسي والتداعيات المرافقة لذلك.. بل إن الساحة المصرية تحتاج اليوم، إلى قوى سياسية ذات ثقل شعبي، تعمل على منع البلاد من الانزلاق نحو العنف.. وإن الحشد الشعبي المتبادل، لن ينهي الأزمة، بل سيضيف إليها مبررات جديدة.. لأننا ندرك أن الأطراف الأساسية في الأزمة الحالية، لديها حيثية اجتماعية وشعبية، وكل طرف منهم، يمتلك القدرة على الحشد الشعبي.. لذلك فإننا نعتقد أن خيار الحشود الشعبية الذي تتحرك وفق معادلة صفرية سيساهم في التأزيم ودخول المشهد المصري برمته في مرحلة جديدة.. وما يجري من مواجهات بين الحشود أو بين بعضها وقوات الشرطة والأمن وسقوط ضحايا وجرحى بالعشرات، كله ينذر بمخاطر حقيقية ستواجه مصر والمصريين، إذا لم تبادر القوى السياسية والشعبية الرئيسية، لبلورة معالجات سياسية حقيقية لهذه الأزمة.. والحلول السياسية مهما كانت صعبة وشائكة، إلا أنها أهون للجميع من الانزلاق صوب العنف واستخدام القوة العارية..
وفي هذا السياق نود التأكيد على النقاط التالية:
1 - ما زالت المؤسسة العسكرية المصرية ممثلة بالجيش المصري، هي الشخصية الكارزمية الأولى لدى الشعب المصري.. وبفعل هذا الموقع الحيوي والهام، الذي تتبوأه المؤسسة العسكرية لدى الشعب المصري بكل فئاته وشرائحه، فإن هذه المؤسسة تتحمل مسؤولية وطنية كبرى لصياغة مبادرات والقيام بخطوات وطنية كبرى، تستهدف إخراج الواقع المصري من أزمته الحالية.. وإن هذه المبادرات ينبغي أن تكون بعيدة عن خيار استخدام القوة العسكرية لتفريق الحشود أو إنهاء الاحتجاجات السلمية لأن هذا الخيار سيفضي إلى انقسام شعبي تجاه مؤسسته الوطنية الكبرى، وهذا بطبيعة الحال، ينذر بمخاطر كبرى أمنية واجتماعية وسياسية.. لذلك من الأهمية أن لا تندفع المؤسسة العسكرية صوب الحلول الأمنية والعسكرية للأزمة.. وإنما تعمل انطلاقا من موقعها الكارزمي في المعادلة المصرية من أجل حلول وتسويات يقبل بها جميع الأطراف، وتحول دون الانزلاق صوب العنف الداخلي.
2 - إن الجماعات الشبابية بمختلف تلاوينها وانتماءاتها، وهي صاحبة الفضل الأول في الثورة المصرية الراهنة، تتحمل مسؤولية وطنية أيضا على هذا الصعيد.. ولا ريب أن الشعب المصري ينتظر من هذه المجموعات الشبابية الفاعلة، القيام بمبادرات تحشد لها شعبيا، تستهدف إيجاد حلول سياسية للأزمة الراهنة.. لأن الساحة المصرية بكل تشابكاتها المحلية والإقليمية والدولية، لا تتحمل الانتصارات الكاسحة، التي تكسر الطرف الآخر، لأن هذا سيقود بشكل أو بآخر إلى الانزلاق صوب العنف.. وندرك أنه ثمة أطراف داخلية وخارجية تستهدف تحقيق الانتصار الكاسح، وإخراج بعض القوى السياسية والشعبية من المعادلة واللعبة السياسية.. ولكن الاندفاع صوب هذا الخيار، سيكلف الواقع المصري الشيء الكثير على مختلف الصعد والمستويات.. لذلك ثمة ضرورة وطنية وقومية لخيار التسوية، الذي يعيد صياغة المعادلة السياسية المصرية بعيدا عن نزعة الإلغاء والاستئصال.. ومن خلال الدور التاريخي والوطني الكبير الذي قامت به الوجودات الشبابية في صناعة التحول السياسي الراهن، بإمكانها أن تساهم في تهيئة المناخ الشعبي والسياسي صوب خيار التسوية، وإبعاد شبح الإلغاء لأي قوة سياسية وشعبية.
3 - إن جماعات الإسلام السياسي في الساحة المصرية، بحاجة إلى مراجعة خطاباتهم السياسية، وطريقة إدارتهم للأزمة.. لأن الكثير من عناصر الخطاب السياسي المعتمد من قبل بعض هذه الجماعات وآليات التحشيد الشعبي، وطبيعة الشعارات المطروحة في الميادين الذين يديرون حشودها الشعبية، يستسهل فكرة الصدام مع مؤسسات الدولة وعلى رأسها مؤسسة الجيش، وهذا ينذر بمخاطر كبرى على راهن ومستقبل مصر.
من هنا ثمة حاجة وطنية - مصرية، لكي ترتفع الأصوات المحسوبة على جماعات الإسلام السياسي المطالبة بالحلول السياسية، والنأي عن خطابات استسهال الصدام والدعوة إليه بشكل مباشر أو غير مباشر.
أحسب أن هذه القوى تتحمل مسؤولية كبرى، لإخراج مصر من محنتها، بأقل خسائر ممكنة.. وكلنا من موقعنا العربي والإسلامي نبتهل إلى الباري عز وجل أن يجنب مصر بلدا وشعبا ويلات استخدام العنف المفتوح على كوارث أمنية واجتماعية وسياسية كبرى.













